الأربعاء، مايو 29، 2019

ذاكرتي عن الوحدة و حرب 94م

كنا نخوض رحلات مكوكية من المعلا الى الشيخ عثمان حيث سوق الشريجة الذي كان موقعة في جولة المصعبين، و فيه كنا نجد جميع منتجات مصانع هائل سعيد و اليماني و كان المنتج المبهر في تلك الفترة هو المانجو ديكو و بسكويت أبو ولد.

‏كانت مسألة تحويل العملة من الريال الشمالي الى الشلن الجنوبي أو العكس قائمة على المبايعة و الفضول أحيانا، و كانت العملة الشمالية ورقية بالكامل بعكس العملة الجنوبية التي كانت خليط بين عملات معدنية و ورقية.

‏في ذلك الوقت بدأنا نشاهد الأكشاك التي تبيع الشوكلاتة و البسكويت و العصائر، و محلات غسيل الملابس و الخضار، تنتشر في شوارع عدن، و شعرنا بأن الشماليين كلهم تجار بالفطرة، طبعا لأن اغلب سكان الجنوب آنداك وعدن تحديدا يعملون بالقطاع العام للدولة و لا يفقهون بالتجارة إلا القلة القليلة.

‏أيامها أبي أخذنا في رحلة يوم الجمعة الى محافظة تعز و اللواء الأخضر إب، برفقة شخص شيباني، كنوع من الرحلات المبرمجة لتعرف على المناطق الشمالية، و كان كل واحد يقابلنا يعزمنا عنده و أكلنا سلته وكانت أول مره و رجعنا بنفس اليوم الى عدن وعندنا إنطباع جيد عن المناطق الني زرناها.

‏عارفين عندما تعيش الإنفتاح في حرية تغيير الشنبل (الزنوبة) الى صندل أو عدم الوقوف في طابور المجمع الاستهلاكي وتذهب بمل حرية لتشتري المنتج الذي تريد من البقالة و ترى التفاح يباع في كل محلات خضار و هي الاشياء التي كنا محرومين من فعلها بشكل اختياري ايام الحزب.

‏في بداية الوحدة بدأت الوزارات بتوزيع السيارات على موظفين الدولة، بلوحات حكومية خضراء، و بعدها عملتها بنظام التمليك بأسعار رمزية، و أذكر الوالد الله يرحمة أخذنا للوزارة لك نختار بين صالون نيسان بترول ديزل و لا نيسان التيما، و كانت قبلها سيارة ايسوزو، و شعرت بأننا من عائلة برجوازية.

في عدن كانت اغلب المنازل ملك أشخاص قد صادروها منهم أيام قانون التأميم، و بعضها كانت تابع للانجليز و اخرى بناها الحزب كلهم وزعوها على المواطنين بعقود إنتفاع يعني تعيش بالبيت مع العفش ببلاش طول عمرك ولكن البيت يبقى ملك للدولة و كان توزيعها عبر اللجان الشعبية، ‏في كل حي، و كانت حسنة الحزب الوحيدة أنه أصدر قانون التمليك للمواطنين قبل الوحدة بعدة أشهر.

فكل مواطن لديه عقد إنتفاع لعقار أو شقة يذهب للجان بالحافة التي يسكن بها و تعطية عقد تمليك نهائي، بعدها أصدرت الدولة الموحدة قانون تعويض للملاك بأراضي في شمال عدن و أعادة لهم المحلات التجارية فقط و بقاء السكان في منازلهم و هو ما طبق حتى اليوم.

‏أيام الوحدة تم تطبيق قانون إداري للوزارات الحكومية يقضي بما معناه نقل الموظفين بين الشطرين يعني مثلا كل مدير جنوبي له نائب شمالي في صنعاء و العكس في عدن و بدأنا نختلط في المدارس مع ابناء الشماليين سوى بصنعاء او عدن.

‏بدأت عروض جديدة لم نألفها في الجنوب مثل ان يأتي مقاول بناء لك يأخذ قطعة أرضك بإتفاق و يبنيها لك بمليون شلن في حاشد المنصورة 3 طوابق و يأخذ المحلات منك و طابق لمدة 15 سنة أو أكثر و يعطيك الباقي و أعرف أكثر من واحد عملها و رجع له العقار بالكامل قبل 2005م و أعرف ايضا اشخاص طار حقهم بالكامل.

‏بعد الوحدة مباشرة حدث غزو الكويت و اتت مشكلة العائدين او المطرودين من الخليج بسبب وقوف اليمن مع العراق و حصلت تغييرات كثيرة في المجتمع انداك، تأثرنا بها في المدارس خصوصا لأن أعداد الاسر العائدة كان كبير و رغم هذا هم استفادوا من حدوث الوحدة و الإنفتاح بعمل المشاريع التجارية البسيطة لتساعدهم ع العيش.

‏و من اول سنة وحدة بدأت عمليات الاغتيال للكوادر الشطر الجنوبي سوى في عدن او على الطريق الى صنعاء و بالرصاص الحي اول واحد سمعت فيه كان وزير الانشاءات على ما اظن و بدأ الناس عندما يسمعون حوادث الاغتيال يقولون (دقه كلب بالطريق و تقلبات السيارة) و حصدت اروح كثيرة من بداية 1991م.

‏مثلا حادثة وفاة الفنان احمد قاسم بحادث سيارة و حادث اغتيال عمر جاوي بصنعاء و اكبر حادث تأثرت فيه هو اغتيال أبن اخت الرئيس علي سالم البيض في مدينة الشعب على ما اذكر و كانت طريقة ‏صعبة لانهم رشوه بالالي في وسط الشارع و أيامها دفناه في مقبرة القطيع بكريتر و كانت جنازة شبه شعبية كبير و كانت تعتبر استهادف مباشر للبيض.

طبعا حصلت قبلها في 92م محاولة اغتيال للبيض عن طريق السم البطيىء و اكتشفها عندما سافر ألمانيا للعلاج  و عندها رجع مباشرة لعدن و لم يعد لصنعاء، ‏و ايامها مش بدأنا نشعر بالتغيير الديني اللي بدء يتغلغل بين العائلات و يعلمنا الإسلام من جديد و لبس النساء الحجاب و العباية بدل الشيدر، و اهتمام المتدينين باقفال مصنع البيرة محاربة و إختفاء السيسبان (وهي منطقة شمال عدن كان يمارس فيها الدعارة) و تفشي مظاهر التدين بصورة واضحة.

‏طبعا قصة التدين في عائلتي قبل الوحدة كانت إن  ابن عمتي متدين و يخبي الكتب الدينية في فريز الثلاجة و اكثر من مره قبض عليه لنشاطات مشبوهة و لولا معرفة أبي الله يرحمة بحيدر العطاس ايام ما كان وزير للانشاءات و أبي مدير مكتبة كان راح فطيس، المهم ايام الاغتيالات كانت مستمرة مع صعود التيار الديني.

‏و حدثت حوادث كثيرة في تلك الفترة منها ان  الزواجات ايام الحزب تعتبر باطلة و لازم تعملوا عقد زواج جديد شرعي و كدا و حادثة لينا عبد الخالق بنت وزير العدل الجنوبي التي هربت الى صنعاء لمنزل الزنداني بحجة ان والديها كفار ملحدين فيحب ان تهاجر كما هاجر المسلمون الاوئل.

‏و للاسف تمت قتلها في منزل الشيخ الزنداني عام 93م و قيل انداك انها انتحرت و القصة معروفة و اللي يحب يطلع عليها فقد كتب عنها الكاتب رشيد الخيون في مقالة طويلة اسمها (الزنداني و صحبه يشرئبون)، ‏و مع هذا الحوادث لم يمنع الناس من الإحساس بالانتعاش الاقتصادي و تعدد مصادر الدخل و بناء البيوت بدون قيود و البيع و الشراء.

بدأت الناس تشعر بالفرق خصوصا انهم شاهدوا هذه التغيير على كوادر الحزب الذين كانوا يؤيدون التأميم و فرضوها على الناس وهذا كان احد الأسباب القوية لضعف الارادة الشعبية ‏ايام حرب 94م و عدم المشاركة بقوة ملحوظة، حتى ان أيامها كان في ختطاف للشباب من الشوارع للمشاركة في الحرب  و كان اغلبهم بدون ارادة.

‏على المستوى الإجتماعي تفشت ظاهرت الرشوة و المحسوبية و الواسطة و التقوقع خلف العائلة و القبيلة و هذا شيء كان غير موجود قبل الوحدة و كان يحارب من قبل الحزب الاشتراكي حتى ان الحزب جعل اسماء المحافظات بالارقام ( الخامسة تعني حضرموت و الاولى تعني عدن و هكذا)، طبعا هذا التقوقع و العودة للقبيلة كان له أسبابه ‏الطبيعية لمجارة الواقع السائد في الشمال.

و مع هذه التغيرات بدأت الناس تفقد الثقة في الامن و جهازها الشرطي الذي بدا يطلب أموال لكي تتم متابعة قضيتك او مصاريف للتقاضي و الى اخره من التغييرات اللي دخلت علينا التي تجعلك تسأل هل نحن كهذا بطبيعتنا و لا الحزب كان يهذب سلوكنا؟.

‏في المجمل اغلب التغييرات الثقافية و الاجتماعية و الدينية و الظلم و حوادث التسريح الجماعي للجيش او بيع المصانع للقطاع الخاص او تدميرها او سياسة (خليك في البيت) التي مورست ضد موظفين الحكومة و المسؤولين الجنوبيين التي حصلت في عدن خصوصا و الجنوب عموما كانت بعد حرب 1994م.

‏بين 92م و حرب 94م كانوا الناس تحس ان في قطيعة سياسية بين البيض و صالح و كان في تخوف من حصول حرب و اتذكر ايامها ان الخطاب كان الاستقرار و ان الجنوب كل 5 سنوات يدخل في حرب و كدا و هذا كان له واقع في نفسية الناس اللي بدات تشعر بالامن النسبي من حماقات الرفاق بعد الوحدة.

‏طبعا هنا لم اتكلم عن المعارك السياسية و الانتخابات التي اجريت في 92م او 93م و كانت اغلب الأصوات في عدن للحزب الاشتراكي مع بعض المراكز راحت للاصلاح و المؤتمر و هذا تغير بالكامل بعد الانتخابات بعد حرب 94م فقد حصد الاشتراكي اقل المقاعد و الغريب اننا اتذكر ان نفس المرشح تحول للمؤتمر.

‏بداية حرب 94م لا اتذكرها بشكل مرتب و لكن اكثر ما تذكرة كيف كان اول همنا تعبئة البوالد البلاستيك بالماء و نروح للشحاري (البقالة) و نأخذ راشن (التموين الشهري)، اعتقد هذا تقليد رسمي تعلمناه من احداث 86م و نخبي السيارة بالجراج كان ابي وكيل وزارة في الاشغال اللي كانت الانشاءات ‏و كانت من مهامة تصليح مدرج مطار عدن لانهم ضربوا المدرج عشان ما تطلع الطيارات الحربية.

كان في حافون روضة اطفال نزحوا اليها اسرة من الضالع و اقترح رب الاسرة علينا ان نحفر بئر للماء في ساحتها، و اتذكر كان في واحد يشتغل في مؤسسة عذبان وفر لنا ماطور ماء مجانا لكي نستحرج الماء من البئر، لأن وقتها كان الماء انقطع ‏و اغلب المنازل ما كان فيها خزانات ماء، و الماء و الكهرباء ايامها كانت متوفر 24/24 (ما عدى في 86م كنا نجيب الماء من الدوكيارد و دي ذكريات ثانية لحد الان ما قدرت انساها رغم انها حرب قصيرة بس كانت مؤثرة) المهم الشباب حفروا البئر و كان الماء فيه متوفر و طول الحرب.

و كنا نجلس بالحافة ‏لان أي واحد يخرج تمسكه لجان التعبئة و تأخذه للجبهة و كانت أكبر جبهة هي دوفس أبين و لواء العمالقة على ما أذكر، كنا نقضي وقتنا بالحافة نلعب بطه و دحام بالفحم و كرة طائرة و نعبي ماء و أيامها بدا كأس العالم في أمريكا.

‏نسيت اقولكم اننا قبل الحرب تشاركنا ستة بيوت كل ثلاثة بيوت بعمارة و اشترينا 2 ادياش كبيرة مع 6 رسيفرات و جبناهم بالدولار و كان ايامها لازم تدفع رسوم لهيئة الاذاعة و التلفزيون سنوي على استخدام الديش و جبناه و ركبناه و كان عيد قوي لنا و كله عشان mbc و دبي و منه تابعنا كأس العالم.

‏كانت كل اخبار الحرب دحرناهم دحرونا دحرناهم دحرونا و بس و كانت متعة متابعة اخبار mbc و توفيق جازوليت و حسن زيتوني واحد بعدن و الثاني بصنعاء و هبلك متابعة للاخبار باليل و النهار ماء جنب البئر و العصر نلعب بطة و دحام .

‏واتذكر حدث مهم جدا يوم ما اعلن البيض فك الارتباط في 21 مايو 1994م كانت سماء عدن ترعد بالرصاص، تعبيرا عن الفرحة و اتذكر ان في جار لنا ضرب و عندما دخلوا الشماليين واعلنوا انتهاء الحرب برضه حصل نفس الضرب باليل و نفس الجار ضرب برضه و يمكن أكثر شوية.

‏و هذا اليوم كان مشهود لانه حدث فيه النهب العظيم و السلب المشين لكل ممتلكات الدولة من الشعب و من العسكر بدون استثناء مواد غذائية و أسلحة و سيارات و منازل و مباني بكل انواعها ناهيك عن الانتقامات الخ
حتى اتذكر كانت معنا صالون اخذوها من تحت البيت بالطلب يعني قالوا للوالد هات المفتاح، ‏و لأنهم مسلحين و من الجيش المنتصر عطاهم السيارة وهي حق الحكومة أساسا ولك لا يأخذ سيارتنا الشخصية.

بعدها بأيام بدأنا نشوف المخالفات في الطرقات والعشوائية في السير والسطو على البقع و المتنفسات و المدارس و الوزارات و اي منطقة خالية وسط المدينة حتى محطات البترول اخذت غنيمة و الكلمة السحرية (ما يضر حق الدولة).

‏طبعا الوالد اللي يرحمة من النوع اللي ما تاقلم مع الوضع و اخذت منه صلاحياته في العمل حتى انه فترة طويلة كان خليك في البيت يوقع على شيكات الرواتب بس لحد ما رجع للعمل بعد سنوات بس مكتب بدون اي عمل لتقاعد و كأنه عقاب منظم من فوق.

ما سبق كله يعتبر جزء صغير من ذاكرتي عن تلك الفترة كتبته بشكل ارتجالي بسيط لعله تستطيع ان تعيش اللحظة كما عشتها.

دمتم في امان الله

الأربعاء، أبريل 17، 2019

أين يقف المجلس الإنتقالي الجنوبي؟

‏مجرد مقالة عن أحداث مرت علينا هذا الأسبوع و لم أستطع وضعها على جنب...

‏هل بعترف المجلس الانتقالي الجنوبي بشرعية الرئيس هادي ؟  و كل المؤسسات الممثلة لهذه الشرعية؟ أما إنه اعتراف جزئي فقط؟

إن عدم إعتراف المجلس الإنتقالي بالمؤسسات الشرعية التي يبني هادي بها شرعيته، تعني بأنه لا يعترف ضمنيا بشرعيته كرئيس شرعي.

و هذا تناقض واضح للعيان، إن إنعقاد البرلمان اليمني سوى كان في سيئون أو في عدن أو في مأرب من ووجهة نظر سياسية، كانت ضرورة اقليمية و دولية ملحة لتقوية شرعية هادي و اثبات بأن المؤسسة التشريعية صاحبة الأعضاء الأكثر تقف معه و تقوي شرعيته.

‏أمام إنتخابات تكميلية كان يقوم بها الحوثي في الشمال تزامنا مع انعقاد البرلمان في سيئون، و ردود الفعل الدولية كانت واضحة و تعطي انطباع بأنها خطوة مطلوبة لتقوية مكانة تلك الشرعية المستقرة في فنادق الرياض..إذا فإن المسالة هي سياسية و إجراءات شكلية ضرورية كان يجب أن تقوم بها الحكومة الشرعية و الدول الراعية لها.

‏الآن نأتي على إختيار موقع الإنعقاد و أظن الجميع متأكد بأنه إختيار خالص من الرئيس هادي سوى كان تحت ضغط حزب الإصلاح او نائبه على محسن او السعودية ..الخ من التكهنات فهي كانت نتيجة متوقعة و طبيعية و رسالة ايضا بأن لدينا مناطق بالجنوب تشكل مساحة واسعة و نفوذ عسكري يتبع ولائه للشرعية في الجنوب.

‏و اعلاميا شاهدنا جميع كيف القنوات الاخبارية نقلت الحدث بطريقة متفق عليها و بصوت واحد و من منطلق واحد هي عودة مؤسسات الشرعية لعمل من أرض حضرموت و حاضرة الوادي و الصحراء سيئون (الجنوبية) و تحت حماية سعودية و هي رسالة لا تحمل الشك ولا بها ريب ولا تلبيس و ليفهمها من به صمموا.

‏وان اختاروا عدن بدلا عن سيئون فمن يستطيع إذا ما قررت السعودية دخول نفس اللواء الى عدن لحماية انعقاد البرلمان اليمني في المعاشيق؟

لا أعتقد ان تغريدات في فن ربط الأحزمة و من نوعية القادم مدهش و سوف و ينبغي و واسلامااه، سوف يكون لها اي صدى سوى مزيدا من الإحباط و الكراهية و زيادة الاحتقان الهوائي المغتر بالقوة
‏على الأرض.

مع اننا لو نظرنا لهذه القوة بكل ما فيها سوف نجدها تستلم رواتبها من دول التحالف و هي من تحركها حسب ما تراه متاحا، و بمساحة مناورة حددت لها سابقا ونتائج احداث المعاشيق يناير 2018م اكبر دليل على ترويض من يخرج عن هذه المساحة.

دائما مع كل صدمة تجد الغالبية من الجنوبيين يتخذوا قرارات عاطفية متناسين الأشخاص الذين وضعونا في هذه الصدمة، لا يهم من نكب وضعنا الحالي، المهم ننادي ( اعيدوا الجنوبيين من الحديدة) و كأننا صدقنا بأنهم ذهبوا بأمر المجلس الانتقالي وليس من التحالف العربي.

‏نعود للسؤال في اول المقال و هي موضوعنا الاساسي وهي شرعية هادي و عند كل إنعقاد للمجلس الانتقالي يتكرر على مسامعنا عبارة  إحترام هذه الشرعية و عدم المساس بشخص الرئيس هادي، وهذا يجعلنا نتساءل هل فعلا المجلس الانتقالي يدرك ماهية العبارات السياسية و الرسائل التي يرسلها ضمن هذا الخطاب المتناقض على الواقع.

‏من الضروري فهم متطلبات العمل السياسي و المصالح الدولية و الدول المهيمنة على المشهد الاقليمي و تغيير رؤيتها و مصالحها و محاولة تقليل خسائرة او المحافظة على مكاسبة أمام هذا الطوفان من التغييرات السياسية في المشهد العربي.

‏اين يقف المجلس الانتقالي اليوم و مع من ؟ و ماذا يريد و ما هو الممكن له ان يفعله و ما هي المساحة التي أعطيت له ليناور بها حول قضيته و هل طريقة المحسوبين عليه و تضخيم الواقع بالمديح التويتري او محاولة الظهور بمظهر القوي على شرعية مع تكرارهم يوميا و اعترافهم بها و بنفس الوقت يظهر بشكل تابع وفي تحت أمر الدول التي ترعى هذه الشرعية.

‏و هنا يجب ان نسئل هل تقديم الإنتقالي نفسه كبديل عن شرعية مسيطر عليها من الإخوان و حليفا مستقبليا يسلمها لجام انفسنا بيدها متى ما اطلقوه ضد أعدائهم!! هو الخيار الامثل للجنوب و قضيته؟ و من يعرف أعداء التحالف بعد 4 سنوات؟! .

لا اظن ان دول التحالف العربي و على رأسها السعودية لا تعلم ماذا نريد او الى ماذا نسعى كجنوبيين و ماهو هدف الانتقالي لنقدم نفسنا لها كبديل غير مقنع، ‏بصراحة نستطيع ان نقول انه غير وارد حاليا في خطتها في الحرب ضد الحوثي او رؤيتها لمستقبل المنطقة و اليمن خصوصا.

المجلس اليوم يدور في حلقة مفراغ و رغم تحققه مكاسب ولكنها لا ترتقي لان تكون مكاسب سياسية بسبب الوعود و التضخيم المتعمد لتحركات الساسة التي قد تكون مفيده على المدى البعيد ولكن ليست كما صورت لنا من بعض من يدعون قربهم من المجلس و يتحدثون بأسمه.

‏ان اعضاء المجلس المهمين الجادين في العمل السياسي بشكل عام يجب ان يعيدوا تقييم كل خطوة يقومون بها و يعرفوا مدى تاثيرها عليه و مدى فاعليتها و امكانية تطويرها، وان لا يكون مجرد رد فعل دائما، و ان كان فمن الأفضل ان يكون الرد بالصمت خصوصا إذا كان في الفم ماء كثير و تعلمون من الامور ما لا يعلمه غيركم.

كان من الضرورة ان و‏ضعوا رؤية واضحة غير مبنية على تناقضات شعبوية و رغبة الجماهير العريضة التي تسعى خلفها أملا في تحقيق ما تريدوه و يرده جميع الجنوبيين، و تحويل فشلك السياسي على صحفي او صاحب رأي استطاع بالكلمات منطقية نتيجة تناقضاتكمو زعزعة إستقرار الأوهام التي يبنيها بعض الساسة ليل نهار على مواقع التواصل لشعب متعطش للاستقلال.

كان الأولى ‏ان تكون هناك مصارحة للشعب بحقيقة موقف المجلس من شرعية هادي و ما تمثله تلك الشرعية لان المصطلحات و التعريفات قد تتغير بتغير صاحب هرم السلطة و لن يبقى الاعتراف بكيان مع تغيير الأشخاص لان الكيان سوف يبقى طالما معترف به من المجتمع الدولي.

‏و في تلك الحالة سوف تصنف كمتمرد او منقلب او فصيل خارج عن الشرعية في عرف المجتمع الدولي و إن كان هذا المجتمع يعلم ما تريده من البداية  ... ضبط العلاقات مع التحالف ليست أمر مبني على علاقة شخصية مع قيادي او ثقتها من الاخر او تقديم طبق من الولاءات المنزوعة منك بحكم الواقع.

‏اليوم نحن نعترض على اقامة البرلمان في سيئون ام نعترض على إقامته من الاساس؟
اغلبا الاجابة سوف تتجه الى سيئون!!
اذا ليس لدي المجلس مانع من اقامة البرلمان كمؤسسة شرعية تدعم الرئيس هادي؟
كان من الحصافة طالما بعرف الانتقالي حدود مكانتنا مع التحالف ان يتعامل مع الموضوع بطريقة اكثر مرونة مما ظهر بها.

‏و ان يكون واقعي (براغماتي) طالما انه يعلم من الأساس، أن ليس لديه سلطة على منع اقامة البرلمان في سيئون و طالما لم يقم في عدن معقل الرأس.. كان استطع توصيل رسالة بأنه برغم رفضه لإقامة البرلمان في (سيئون) و لكنه أيضا يدعم أي خطوة لتقوي شرعية الرئيس هادي.

‏التي يتغنى بها و يكررها لفظيا على الاقل في اغلب خطاباته عند كل إجتماع و آخر و تحت سقف و راعية التحالف العربي الذي يدعي بأنه شريك معه و الذي هدف التحالف الرئيسي فيه هو القضاء على الإنقلاب الحوثي و عودة الشرعية و مؤسساتها لصنعاء.

‏هناك عمل سياسي قطعه المجلس الإنتقالي و شوط كبيرة و انجازات لا يستطيع احد انكارها و لا تغطيتها داخليا ع الاقل و لكن أمام الدول الخارجية و مصالحها تستطيع  تلك الدول تغيير المسميات التي تطلقها على الانتقالي حسب مصلحتها فقط اليوم  قد يقال حلفاء و غدا قد يقال متمردون.

‏واجب كل سياسي جنوبي ان يكون متمكن من أدواته السياسية خصوصا اذا كان يتبوأ منصب قيادي مؤثر و ان يحاول الظهور على قد المكانه التي يتبوأها امام الآخرين و تشكيل وعيهم و تطلعاتهم المستقبلية و ليس ترسيخ سياسة الإتباع الاعمى و الولاء المطلق و الإنصياع بدعوة تحقيق القضية.

‏القضية الجنوبية ليست قضية شخصية لتتحول مجرد انفعالات شخصية و عبارات حماسية و مكاسب سياسية خاصة..
هناك العديد من المكونات الصغيرة التي يمكن التعلم منها و من الاختلاف معا و ان تباينة الآراء حول قضية فرعية فيمكن حلها حسب المتاح، و ليس بالتخوين الاستباقي و التشكيك و التطبيل.

‏ختاما شرعية هادي ليست بعبع نخاف التعامل معه و نحن ندعي و ندعو لتعامل معه، هذا الخطاب المتناقض يجب ان يحسم أمام الناس لك لا تنفرط الأمور ..الجميع اليوم أتى من تحت شرعية هادي و منهم من خرج منها و منهم من بقى فيها، ‏المقياس في التعامل مع من بقى هو مواقفهم من القضية فقط، و الاستفادة قدر المستطاع من تواجدهم فيها من اجل تقريب وجهات النظر او بوابة خلفية يوما ما تكون منفتحة بين الجانبين.

السياسة فن الممكن..
وليست منبر لأحكام سماوية..

الثلاثاء، أبريل 10، 2018

الشخصية الشعبوية و تأثير العقل الجمعي

إن ‏من أكبر العقبات الخطيرة التي تواجه نمو حس الادراك و التفكير المنطقي السليم و استخدام ميزات العقل البشري الاساسية، هي انسياقك الشخص طواعية خلف عاطفة العقل الجمعي و الخطاب الشعبوي بالمطلق، فتجعله لا يبحث عن حلول بقدر ما يبحث عن شماعة يعلق عليها الاخطاء و خلق مبررات غير حقيقية.

الشخصية ‏الشعبوية لا تكون رأي مبني من منطلق منطقي، ولكن من مفهوم عاطفي، فالشخص الشعبوي دائما يحب أن يسمع ما يذغذغ به مشاعره و يأتي على هواه و يبحث عن الشبيه في الفكرة و العاطفة بغض النظر عن أي شيء، و ان تحدثت معه بالعقل و بما يخالف عاطفته التي تربى عليها فسوف يغضب منك و يششك في ولائك.

هذه الشخصية تعود للتفكير المنطقي عندما تصاب بالصدمة أو يحدث له حدث يشعرها بالندم أو يظهر له مدى كونه مخطئ في تسليم عقله و السير خلف العقل الجمعي بدون وعي، مع ان عقله الباطن يقول له دائما ان قضيته عادله، و لكن مع اول حدث لعقل الجمعي يحكي عقله الباطن، يستعيد تفكيره الشعبوي بكل سهولة و يزيح المنطق عن طريقة.

لهذا فإن الشخص الذي يستطيع أن يخرج من دائرة الفكر الشعبوي، يكون قد مر بتجارب عديدة حتى استطاع الاقتناع بشكل أو بأخر بعدم الانسياق وفضل إعمال العقل و أغلبهم للأسف يتحولون إلى ممارسة أسلوب غير عقلاني في إثبات خطأ ما كانوا عليه، وهذا ما يزيد تقوقع الشعبوي أكثر حول فكرته.

ان ‏الشعبوية (كفكرة) هي أحد ركائز العمل السياسي و الاجتماعي و هي تعتبر منهج سائد في جميع دول العالم خصوصا في حالة الحروب والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، لهذا تتمحور الشعبوية في خطابها على الأمل و المستقبل مع الخوف و كراهية الاخر بشكل مطلق، للحفاظ على الجماهير.

وهذا ما يعتمد علية اليمين المتطرف في أوروبا و امريكا للحشد في تظاهرات و خطابات شعبوية تزيد الكراهية ضد المسلمين و الأقليات الأخرى، فلنأخذ ترامب كمثال على الخطاب الشعبوي و نجاحه، و عن كيفية استغلال (الفكر الشعبوي أو العقل الجمعي) في مخاطبة (الشخصية الشعبوية) لغرض الوصول للحكم و التمرد على السائد.

الشعبوي (كشخص) ينساق خلف فكرة (العقل الجمعي) مع انه يعتبر آني و وقتي ليس له ديمومة بالعمل السياسي، فقد يستدعى فقط لتلبية احتياجات السياسي في وقت معين مثل الانتخابات و الحروب و الازمات... و لكن بعدها مباشرة يتم تجاهله و تجاهل هذا الخطاب و ينظر له كغوغائي فيما إذا تعارضت المسارات بين العمل السياسي و توجه الشخصية الشعبوية.

‏جميعنا شعبويون في الأساس و لكن القليل منا من يمتلكون القدرة على الخروج من نمط ( العقل الجمعي/ الفكر الشعبوي) ليكون مفكر و منظرا يقود هو (العقل الجمعي)، و هؤلاء هم من يجب التحاور معهم و الاستفادة من رؤيتهم، و جعلهم قيادات، لأنهم هم من يحركون الشخصية الشعبوية لدى الجميع.

نتذكر جميع موجة الثورات العربية في 2011م و التي كانت أكبر تجمع للعقل الجمعي الذي تنساق بدون وعي خلف عاطفته في إسقاط الأنظمة العربية (الظالمة) الذي تحول إلى سلوك جمعي يتحرك على الأرض يتغذى عبر وسائل الإعلام التي كانت تزور الوعي الجمعي لاجل تسيطر على السلوك بكل يسر لصالح أجندات خاصة مستغلة حاجة المواطن العربي للتغيير.

إن عدم إدراك الفرد لحقيقة أن تأثير العقل الجمعي قد يقوده لإراديا إلى فعل أشياء و اكتساب سلوكيات تلغي الوعي و الضمير، فتجعل الهدف الأسمى هو هدف الجماعة فوق هدف الفرد، و تعتبر كل مخالف لهذا الهدف و ان كان اختلافه معه حول أشياء ثانوية هي بمثابة خيانة أو مدفوعة من الخارج.

فنتحول من الشعبوية إلى الشوفينية و التي تعني ‏(الوطنية المفرطة) و تعرف في علم الاجتماع بأنها المغالاة في الاعتقاد و التعصب الأعمى، مع غياب رزانة العقل و الإفراط في الانتماء و التفاني في التحيز لها مع العنجهية في التعامل و الحط من شأن الجماعات السياسية أو العرقية الأخرى بشكل دوني.

و ذلك عبر إطلاق الاتهامات الجزافية و استخدام مصطلحات ذات مدلولات و قولبة الآخرين في قوالب نمطية تسهل في تصنيفهم كأعداء و الإعلان عن نشر أسماء الخونة و أعطى الفرص للعودة إلى آخر الأساليب القمعية و الترهيبية التي تستخدم للمحافظة على أعضاء العقل الجمعي متحفزين.

و هذا أخطر ما يقدمه لنا (الخطاب الشعبوي و العقل الجمعي) فبدون إدراك الفرد لهذا المطب فإنه يساهم بشكل فاعل في التمكين في تأسيس نظام شمولي جديد و إعدام للحياة السياسية في المستقبل، بحجة ان الان يجب أن نكون صوتا واحدا و في المستقبل يحلها الباري.

إذا إلى متى سوف نظل منساقين كأفراد خلف السلوك و العقل الجمعي و الخطاب الشعبوي بحجة الانتصار للوطن و القضية و دعم الجهة السياسية التي ننتمي اليها و خلق زعامات جديدة مقدسة ؟

الإجابة اتركها لكم.