الأربعاء، أبريل 17، 2019

أين يقف المجلس الإنتقالي الجنوبي؟

‏مجرد مقالة عن أحداث مرت علينا هذا الأسبوع و لم أستطع وضعها على جنب...

‏هل بعترف المجلس الانتقالي الجنوبي بشرعية الرئيس هادي ؟  و كل المؤسسات الممثلة لهذه الشرعية؟ أما إنه اعتراف جزئي فقط؟

إن عدم إعتراف المجلس الإنتقالي بالمؤسسات الشرعية التي يبني هادي بها شرعيته، تعني بأنه لا يعترف ضمنيا بشرعيته كرئيس شرعي.

و هذا تناقض واضح للعيان، إن إنعقاد البرلمان اليمني سوى كان في سيئون أو في عدن أو في مأرب من ووجهة نظر سياسية، كانت ضرورة اقليمية و دولية ملحة لتقوية شرعية هادي و اثبات بأن المؤسسة التشريعية صاحبة الأعضاء الأكثر تقف معه و تقوي شرعيته.

‏أمام إنتخابات تكميلية كان يقوم بها الحوثي في الشمال تزامنا مع انعقاد البرلمان في سيئون، و ردود الفعل الدولية كانت واضحة و تعطي انطباع بأنها خطوة مطلوبة لتقوية مكانة تلك الشرعية المستقرة في فنادق الرياض..إذا فإن المسالة هي سياسية و إجراءات شكلية ضرورية كان يجب أن تقوم بها الحكومة الشرعية و الدول الراعية لها.

‏الآن نأتي على إختيار موقع الإنعقاد و أظن الجميع متأكد بأنه إختيار خالص من الرئيس هادي سوى كان تحت ضغط حزب الإصلاح او نائبه على محسن او السعودية ..الخ من التكهنات فهي كانت نتيجة متوقعة و طبيعية و رسالة ايضا بأن لدينا مناطق بالجنوب تشكل مساحة واسعة و نفوذ عسكري يتبع ولائه للشرعية في الجنوب.

‏و اعلاميا شاهدنا جميع كيف القنوات الاخبارية نقلت الحدث بطريقة متفق عليها و بصوت واحد و من منطلق واحد هي عودة مؤسسات الشرعية لعمل من أرض حضرموت و حاضرة الوادي و الصحراء سيئون (الجنوبية) و تحت حماية سعودية و هي رسالة لا تحمل الشك ولا بها ريب ولا تلبيس و ليفهمها من به صمموا.

‏وان اختاروا عدن بدلا عن سيئون فمن يستطيع إذا ما قررت السعودية دخول نفس اللواء الى عدن لحماية انعقاد البرلمان اليمني في المعاشيق؟

لا أعتقد ان تغريدات في فن ربط الأحزمة و من نوعية القادم مدهش و سوف و ينبغي و واسلامااه، سوف يكون لها اي صدى سوى مزيدا من الإحباط و الكراهية و زيادة الاحتقان الهوائي المغتر بالقوة
‏على الأرض.

مع اننا لو نظرنا لهذه القوة بكل ما فيها سوف نجدها تستلم رواتبها من دول التحالف و هي من تحركها حسب ما تراه متاحا، و بمساحة مناورة حددت لها سابقا ونتائج احداث المعاشيق يناير 2018م اكبر دليل على ترويض من يخرج عن هذه المساحة.

دائما مع كل صدمة تجد الغالبية من الجنوبيين يتخذوا قرارات عاطفية متناسين الأشخاص الذين وضعونا في هذه الصدمة، لا يهم من نكب وضعنا الحالي، المهم ننادي ( اعيدوا الجنوبيين من الحديدة) و كأننا صدقنا بأنهم ذهبوا بأمر المجلس الانتقالي وليس من التحالف العربي.

‏نعود للسؤال في اول المقال و هي موضوعنا الاساسي وهي شرعية هادي و عند كل إنعقاد للمجلس الانتقالي يتكرر على مسامعنا عبارة  إحترام هذه الشرعية و عدم المساس بشخص الرئيس هادي، وهذا يجعلنا نتساءل هل فعلا المجلس الانتقالي يدرك ماهية العبارات السياسية و الرسائل التي يرسلها ضمن هذا الخطاب المتناقض على الواقع.

‏من الضروري فهم متطلبات العمل السياسي و المصالح الدولية و الدول المهيمنة على المشهد الاقليمي و تغيير رؤيتها و مصالحها و محاولة تقليل خسائرة او المحافظة على مكاسبة أمام هذا الطوفان من التغييرات السياسية في المشهد العربي.

‏اين يقف المجلس الانتقالي اليوم و مع من ؟ و ماذا يريد و ما هو الممكن له ان يفعله و ما هي المساحة التي أعطيت له ليناور بها حول قضيته و هل طريقة المحسوبين عليه و تضخيم الواقع بالمديح التويتري او محاولة الظهور بمظهر القوي على شرعية مع تكرارهم يوميا و اعترافهم بها و بنفس الوقت يظهر بشكل تابع وفي تحت أمر الدول التي ترعى هذه الشرعية.

‏و هنا يجب ان نسئل هل تقديم الإنتقالي نفسه كبديل عن شرعية مسيطر عليها من الإخوان و حليفا مستقبليا يسلمها لجام انفسنا بيدها متى ما اطلقوه ضد أعدائهم!! هو الخيار الامثل للجنوب و قضيته؟ و من يعرف أعداء التحالف بعد 4 سنوات؟! .

لا اظن ان دول التحالف العربي و على رأسها السعودية لا تعلم ماذا نريد او الى ماذا نسعى كجنوبيين و ماهو هدف الانتقالي لنقدم نفسنا لها كبديل غير مقنع، ‏بصراحة نستطيع ان نقول انه غير وارد حاليا في خطتها في الحرب ضد الحوثي او رؤيتها لمستقبل المنطقة و اليمن خصوصا.

المجلس اليوم يدور في حلقة مفراغ و رغم تحققه مكاسب ولكنها لا ترتقي لان تكون مكاسب سياسية بسبب الوعود و التضخيم المتعمد لتحركات الساسة التي قد تكون مفيده على المدى البعيد ولكن ليست كما صورت لنا من بعض من يدعون قربهم من المجلس و يتحدثون بأسمه.

‏ان اعضاء المجلس المهمين الجادين في العمل السياسي بشكل عام يجب ان يعيدوا تقييم كل خطوة يقومون بها و يعرفوا مدى تاثيرها عليه و مدى فاعليتها و امكانية تطويرها، وان لا يكون مجرد رد فعل دائما، و ان كان فمن الأفضل ان يكون الرد بالصمت خصوصا إذا كان في الفم ماء كثير و تعلمون من الامور ما لا يعلمه غيركم.

كان من الضرورة ان و‏ضعوا رؤية واضحة غير مبنية على تناقضات شعبوية و رغبة الجماهير العريضة التي تسعى خلفها أملا في تحقيق ما تريدوه و يرده جميع الجنوبيين، و تحويل فشلك السياسي على صحفي او صاحب رأي استطاع بالكلمات منطقية نتيجة تناقضاتكمو زعزعة إستقرار الأوهام التي يبنيها بعض الساسة ليل نهار على مواقع التواصل لشعب متعطش للاستقلال.

كان الأولى ‏ان تكون هناك مصارحة للشعب بحقيقة موقف المجلس من شرعية هادي و ما تمثله تلك الشرعية لان المصطلحات و التعريفات قد تتغير بتغير صاحب هرم السلطة و لن يبقى الاعتراف بكيان مع تغيير الأشخاص لان الكيان سوف يبقى طالما معترف به من المجتمع الدولي.

‏و في تلك الحالة سوف تصنف كمتمرد او منقلب او فصيل خارج عن الشرعية في عرف المجتمع الدولي و إن كان هذا المجتمع يعلم ما تريده من البداية  ... ضبط العلاقات مع التحالف ليست أمر مبني على علاقة شخصية مع قيادي او ثقتها من الاخر او تقديم طبق من الولاءات المنزوعة منك بحكم الواقع.

‏اليوم نحن نعترض على اقامة البرلمان في سيئون ام نعترض على إقامته من الاساس؟
اغلبا الاجابة سوف تتجه الى سيئون!!
اذا ليس لدي المجلس مانع من اقامة البرلمان كمؤسسة شرعية تدعم الرئيس هادي؟
كان من الحصافة طالما بعرف الانتقالي حدود مكانتنا مع التحالف ان يتعامل مع الموضوع بطريقة اكثر مرونة مما ظهر بها.

‏و ان يكون واقعي (براغماتي) طالما انه يعلم من الأساس، أن ليس لديه سلطة على منع اقامة البرلمان في سيئون و طالما لم يقم في عدن معقل الرأس.. كان استطع توصيل رسالة بأنه برغم رفضه لإقامة البرلمان في (سيئون) و لكنه أيضا يدعم أي خطوة لتقوي شرعية الرئيس هادي.

‏التي يتغنى بها و يكررها لفظيا على الاقل في اغلب خطاباته عند كل إجتماع و آخر و تحت سقف و راعية التحالف العربي الذي يدعي بأنه شريك معه و الذي هدف التحالف الرئيسي فيه هو القضاء على الإنقلاب الحوثي و عودة الشرعية و مؤسساتها لصنعاء.

‏هناك عمل سياسي قطعه المجلس الإنتقالي و شوط كبيرة و انجازات لا يستطيع احد انكارها و لا تغطيتها داخليا ع الاقل و لكن أمام الدول الخارجية و مصالحها تستطيع  تلك الدول تغيير المسميات التي تطلقها على الانتقالي حسب مصلحتها فقط اليوم  قد يقال حلفاء و غدا قد يقال متمردون.

‏واجب كل سياسي جنوبي ان يكون متمكن من أدواته السياسية خصوصا اذا كان يتبوأ منصب قيادي مؤثر و ان يحاول الظهور على قد المكانه التي يتبوأها امام الآخرين و تشكيل وعيهم و تطلعاتهم المستقبلية و ليس ترسيخ سياسة الإتباع الاعمى و الولاء المطلق و الإنصياع بدعوة تحقيق القضية.

‏القضية الجنوبية ليست قضية شخصية لتتحول مجرد انفعالات شخصية و عبارات حماسية و مكاسب سياسية خاصة..
هناك العديد من المكونات الصغيرة التي يمكن التعلم منها و من الاختلاف معا و ان تباينة الآراء حول قضية فرعية فيمكن حلها حسب المتاح، و ليس بالتخوين الاستباقي و التشكيك و التطبيل.

‏ختاما شرعية هادي ليست بعبع نخاف التعامل معه و نحن ندعي و ندعو لتعامل معه، هذا الخطاب المتناقض يجب ان يحسم أمام الناس لك لا تنفرط الأمور ..الجميع اليوم أتى من تحت شرعية هادي و منهم من خرج منها و منهم من بقى فيها، ‏المقياس في التعامل مع من بقى هو مواقفهم من القضية فقط، و الاستفادة قدر المستطاع من تواجدهم فيها من اجل تقريب وجهات النظر او بوابة خلفية يوما ما تكون منفتحة بين الجانبين.

السياسة فن الممكن..
وليست منبر لأحكام سماوية..

الثلاثاء، أبريل 10، 2018

الشخصية الشعبوية و تأثير العقل الجمعي

إن ‏من أكبر العقبات الخطيرة التي تواجه نمو حس الادراك و التفكير المنطقي السليم و استخدام ميزات العقل البشري الاساسية، هي انسياقك الشخص طواعية خلف عاطفة العقل الجمعي و الخطاب الشعبوي بالمطلق، فتجعله لا يبحث عن حلول بقدر ما يبحث عن شماعة يعلق عليها الاخطاء و خلق مبررات غير حقيقية.

الشخصية ‏الشعبوية لا تكون رأي مبني من منطلق منطقي، ولكن من مفهوم عاطفي، فالشخص الشعبوي دائما يحب أن يسمع ما يذغذغ به مشاعره و يأتي على هواه و يبحث عن الشبيه في الفكرة و العاطفة بغض النظر عن أي شيء، و ان تحدثت معه بالعقل و بما يخالف عاطفته التي تربى عليها فسوف يغضب منك و يششك في ولائك.

هذه الشخصية تعود للتفكير المنطقي عندما تصاب بالصدمة أو يحدث له حدث يشعرها بالندم أو يظهر له مدى كونه مخطئ في تسليم عقله و السير خلف العقل الجمعي بدون وعي، مع ان عقله الباطن يقول له دائما ان قضيته عادله، و لكن مع اول حدث لعقل الجمعي يحكي عقله الباطن، يستعيد تفكيره الشعبوي بكل سهولة و يزيح المنطق عن طريقة.

لهذا فإن الشخص الذي يستطيع أن يخرج من دائرة الفكر الشعبوي، يكون قد مر بتجارب عديدة حتى استطاع الاقتناع بشكل أو بأخر بعدم الانسياق وفضل إعمال العقل و أغلبهم للأسف يتحولون إلى ممارسة أسلوب غير عقلاني في إثبات خطأ ما كانوا عليه، وهذا ما يزيد تقوقع الشعبوي أكثر حول فكرته.

ان ‏الشعبوية (كفكرة) هي أحد ركائز العمل السياسي و الاجتماعي و هي تعتبر منهج سائد في جميع دول العالم خصوصا في حالة الحروب والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، لهذا تتمحور الشعبوية في خطابها على الأمل و المستقبل مع الخوف و كراهية الاخر بشكل مطلق، للحفاظ على الجماهير.

وهذا ما يعتمد علية اليمين المتطرف في أوروبا و امريكا للحشد في تظاهرات و خطابات شعبوية تزيد الكراهية ضد المسلمين و الأقليات الأخرى، فلنأخذ ترامب كمثال على الخطاب الشعبوي و نجاحه، و عن كيفية استغلال (الفكر الشعبوي أو العقل الجمعي) في مخاطبة (الشخصية الشعبوية) لغرض الوصول للحكم و التمرد على السائد.

الشعبوي (كشخص) ينساق خلف فكرة (العقل الجمعي) مع انه يعتبر آني و وقتي ليس له ديمومة بالعمل السياسي، فقد يستدعى فقط لتلبية احتياجات السياسي في وقت معين مثل الانتخابات و الحروب و الازمات... و لكن بعدها مباشرة يتم تجاهله و تجاهل هذا الخطاب و ينظر له كغوغائي فيما إذا تعارضت المسارات بين العمل السياسي و توجه الشخصية الشعبوية.

‏جميعنا شعبويون في الأساس و لكن القليل منا من يمتلكون القدرة على الخروج من نمط ( العقل الجمعي/ الفكر الشعبوي) ليكون مفكر و منظرا يقود هو (العقل الجمعي)، و هؤلاء هم من يجب التحاور معهم و الاستفادة من رؤيتهم، و جعلهم قيادات، لأنهم هم من يحركون الشخصية الشعبوية لدى الجميع.

نتذكر جميع موجة الثورات العربية في 2011م و التي كانت أكبر تجمع للعقل الجمعي الذي تنساق بدون وعي خلف عاطفته في إسقاط الأنظمة العربية (الظالمة) الذي تحول إلى سلوك جمعي يتحرك على الأرض يتغذى عبر وسائل الإعلام التي كانت تزور الوعي الجمعي لاجل تسيطر على السلوك بكل يسر لصالح أجندات خاصة مستغلة حاجة المواطن العربي للتغيير.

إن عدم إدراك الفرد لحقيقة أن تأثير العقل الجمعي قد يقوده لإراديا إلى فعل أشياء و اكتساب سلوكيات تلغي الوعي و الضمير، فتجعل الهدف الأسمى هو هدف الجماعة فوق هدف الفرد، و تعتبر كل مخالف لهذا الهدف و ان كان اختلافه معه حول أشياء ثانوية هي بمثابة خيانة أو مدفوعة من الخارج.

فنتحول من الشعبوية إلى الشوفينية و التي تعني ‏(الوطنية المفرطة) و تعرف في علم الاجتماع بأنها المغالاة في الاعتقاد و التعصب الأعمى، مع غياب رزانة العقل و الإفراط في الانتماء و التفاني في التحيز لها مع العنجهية في التعامل و الحط من شأن الجماعات السياسية أو العرقية الأخرى بشكل دوني.

و ذلك عبر إطلاق الاتهامات الجزافية و استخدام مصطلحات ذات مدلولات و قولبة الآخرين في قوالب نمطية تسهل في تصنيفهم كأعداء و الإعلان عن نشر أسماء الخونة و أعطى الفرص للعودة إلى آخر الأساليب القمعية و الترهيبية التي تستخدم للمحافظة على أعضاء العقل الجمعي متحفزين.

و هذا أخطر ما يقدمه لنا (الخطاب الشعبوي و العقل الجمعي) فبدون إدراك الفرد لهذا المطب فإنه يساهم بشكل فاعل في التمكين في تأسيس نظام شمولي جديد و إعدام للحياة السياسية في المستقبل، بحجة ان الان يجب أن نكون صوتا واحدا و في المستقبل يحلها الباري.

إذا إلى متى سوف نظل منساقين كأفراد خلف السلوك و العقل الجمعي و الخطاب الشعبوي بحجة الانتصار للوطن و القضية و دعم الجهة السياسية التي ننتمي اليها و خلق زعامات جديدة مقدسة ؟

الإجابة اتركها لكم.

السبت، مارس 17، 2018

فرض السيادة و مرونتها في السياسة الخارجية

‏بعد ان قرأت خبر محاولة اغتيال الجاسوس الروسي في لندن من قبل المخابرات الروسية واتخاذ لندن قرار حازم بقطع العلاقات مع موسكو و الانسحاب من كأس العالم، قررت أن أحكي لكم فصلا صغيرا من تاريخ العلاقات بين اليمن الجنوبي و العراق الشقيق.

في اثناء انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد نوفمبر 1978م، حاول نائب الرئيس العراقي انداك صدام حسين، تحسين العلاقات الثنائية بين اليمن الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ) و المملكة العربية السعودية التي تأثرت كثيرا بأحداث اغتيال الرئيس احمد حسين الغشمي في اليمن الشمالي و إعدام الرئيس سالم ربيع علي ( سالمين) في اليمن الجنوبي في يونيو من نفس العام.

بعد أن كانت هذه العلاقات قد تحسنت في عهد الرئيس سالمين الذي عمل على تطبيع العلاقات مع السعودية في الفترة التي سبقت تلك الاحداث، و نتيجة لتلك الأحداث المؤسفة، اصدر قرار من قبل مجلس جامعة الدول العربية بمقاطعة و تعليق عضوية اليمن الجنوبي في الجامعة في الاول من يوليو 1978م.

و أثناء انعقاد القمة العربية في بغداد يتحدث الرئيس علي ناصر عن لقائه مع صدام حسين و قال (لقد طلب صدام حسين إقامة قاعدة بحرية و جوية للعراق على جزيرة سقطرى في مقابل دعم العراق لليمن الجنوبي في تنمية الجزيرة في كل المجالات السمكية و الزراعية و السياحية)، وكان السبب حسب قول صدام له (بأن قوات العراق البحرية تواجه صعوبات في تطوير قدراتها في منطقة الخليج العربي).

و أضاف بأن (التعاون بين البلدين سوف يعزز مكانة اليمن الجنوبي استراتيجيا في المنطقة)، يقول الرئيس علي ناصر بانه (اعتذر لصدام حسين عن قبول هذا الأمر لأنه سيؤدي إلى تصعيد التوتر بالمنطقة و ان عدن لا تتحمل أعباء مثل هذا القرار بالوقت الحالي، خصوصا ان عدن كانت في عزلة بعد قرار المقاطعة)، و أضاف ( بأن ما يشاع عن وجود قاعدة عسكرية لسوفيتية على الجزيرة مجرد إشاعات غير صحيحة).

و بعد رفض هذا الطلب بدبلوماسية شديدة، ظلت بغداد تقدم مساعدات مادية و عينية لليمن الجنوبي، و ايضا سعت إلى إلغاء قرار مقاطعة اليمن الجنوبي في الجامعة العربية، سعيا لتوحيد الصف العربي في مواجهة مصر و مقاطعتها بسبب توقيع السادات على اتفاقية كامب ديفيد مع اسرائيل في سبتمبر 1978م، و الذي أدى ايضا الى نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس.

و يصف الرئيس علي ناصر محمد علاقته الشخصية مع صدام حسين الجيدة و بأن الأخير - أي صدام- هو من شجعه على تدخين السيجار الكوبي (كوهيبا) و كان يرسله له بشكل مستمر عبر سفارة العراق في عدن أو عبر سفارة اليمن الجنوبي في بغداد ولم ينقطع إرسال السيجار حتى وقوع أحداث عدن في يونيو 1979م.

سنعود بلمحة بسيطة عن التاريخ السياسي للعراق قبل أن نحكي، ماذا حدث في عدن يونيو 1979م؟:

بعد إنقلاب حزب البعث في فبراير 1963م و استلام السلطة بعد اغتيال الرئيس عبدالكريم قاسم و الذي كان مدعوما من قبل الحزب الشيوعي العراقي، تقاتل الطرفان و تمت عمليات تصفية دموية سياسية بين الحزبين.

و بعد سنوات من الانقلابات و الأحداث السياسية الدموية في العراق، قرر حزب البعث في عهد الرئيس احمد حسن البكر و نائبة صدام حسين عام 1973م، دعوة المعارضة الممثلة بالحزب الشيوعي و الأحزاب الكردية، إلى التوحد تحت مظلة واحدة تدير شؤون العراق أسموه لاحقا ب (الجبهة الوطنية القومية التقدمية) و التي تأسست في 1974م.

و رغم هذا استمر حزب البعث في الاستحواذ منفردا بالسلطة و إزاحة معارضية، أما بالاغتيال او الإعتقال، تلك الفترة كانت عدن منارة و قبلة تستقطب جميع التنظيمات اليسارية و التحررية في الوطن العربي و ملجأ آمن للعديد من السياسيين العرب و خصوصا فلسطين و العراق و تونس و مصر و عمان و لبنان بقية الدول اليسارية في العالم.

نذكر هنا على سبيل المثال وليس الحصر، الفنان جعفر حسن و الباحث رشيد الخيون و الكاتب سلام عبود و الرفيق عبدالعباس سالم ابو عاهدين، و الكاتب فائز الحيدر و هذا غير قادة المنظمة التحرير و اخرون، وتم توظيفهم في القطاع العام و عينوا اساتذة في الجامعات و المدرسين و دكاترة طب، و أعطيت للمنظمات امتيازات لفتح أعمال تجارية متعددة، حتى ان بعضهم منحوا جوازات سفر يمنية.

أحد هؤلاء كان الدكتور توفيق رشدي، استاذ الفلسفة في جامعة عدن، و هو عراقي كردي من السليمانية و الحائز على درجة الدكتورة في الفلسفة من موسكو و كان عضو في الحزب الشيوعي العراقي و لأسباب سياسية و اجتماعية لم يستطع العودة إلى العراق.

فقرر التوجه إلى عدن مثل بقية الرفاق و عين أستاذا في جامعة عدن بعقد ممول من دولة الكويت الشقيقة، التي كانت تدعم اليمن الجنوبي و أيضا المعارضة العراقية، و نتيجة العلاقات الجيدة لتوفيق رشدي في جامعة عدن و بعض السياسيين الجنوبيين، و مكانته العلمية كأحد رواد الفلسفة العرب، رشحه الحزب الشيوعي العراقي، ليكون ممثلا له في اليمن الجنوبي.

هذا الترشيح لم يأتي على هوى توفيق رشدي الذي لم يكن من المؤيدين للتقارب بين حزب البعث و الحزب الشيوعي العراقي، هو ما وتر العلاقات بينه و بين قيادة الحزب الشيوعي العراقي الذي اتهمه بمحاولة عرقلة التحالف مع حزب البعث وذلك لعدم حضوره المناسبات التي يدعى لها من قبل سفارة العراق في عدن.

د.توفيق رشدي كان متزوج من روسية و لديه أبناء منها هم مقيمين في الاتحاد السوفيتي انداك، و كان يحاول جاهدا لم شمل أسرته معه في عدن و قدم طلبات للسفارة العراقية بهذا الخصوص ولكن طلبة عرقل من المخابرات العراقية.

في هذا الوقت بدأ حزب البعث برفع وتيرت الاغتيالات و التصفية السياسية و الاستفراد بالسلطة و اقصاء كوادر الحزب الشيوعي العراقي و السياسيين الاكراد و مطارتهم حتى خارج البلاد عبر سفارات العراق في الخارج.

ظنت القيادة السياسية في العراق، لمتانة العلاقات الثنائية بينها و بين القيادة السياسية في اليمن الجنوبي، انها لن تتأثر بما سيحدث، ففي الاول من يونيو 1978م، أصدرت المخابرات العراقية اوامرها لتنفيذ عملية اغتيال ضد الدكتور توفيق رشدي.

وهذا ما تم عندما تم رصد منزل د.توفيق رشدي الواقع في حي السكنية في المنصورة، و انتظاره حتى يخرج، وعند مشاهدتهم لتوفيق رشدي، نزلا من السيارة و اخبروه بموافقة السفارة على طلب لم الشمل مع عائلته و ان عليه التوقيع على ورقه كانت معهما لإتمام الإجراءات.

وعند رفضه التوقيع لعدم السماح له بقرأت محتوى الورقة، حاولوا سحبه إلى داخل السيارة ولكن توفيق صرخ ليستنجد بالناس في الشارع مما جعل الجيران يخرجون من النوافذ لمعرفة ما يحدث هنا، فأطلقوا عليه النار و لاذوا بالفرار.

أحد الجيران أبلغ أجهزتها الأمن و لحسن الحظ انه كان قد سمع الحوار بالكامل بين رشدي و القتلة، فتم رصد سيارة القتلة التي عبرت خط العريش مرور بساحل أبين حتى خورمكسر، و لم تتوقف في اي إشارة مرورية و شوهدت السيارة تدخل السفارة العراقية.

انتهت عملية الاغتيال و كما قلنا سابقا كانت القيادة في بغداد تظن أن قيادة اليمن الجنوبي لن تخاطر في خسارة صداقتها المتينة مع العراق بسبب حادث بسيط لمواطن عراقي يعيش على اراضيها.

خاب ظنهم للأسف، فقد أعتبرت عدن هذا الحدث (انتهاكا خطيرا لسيادتها)، و اتخذ قرار فوري بالرد بشكل حازم و قوي لمنع تكرار مثل هذا الأمر و أعطى درس قاسي لأي دولة كانت تعتدي على سيادة اليمن الجنوبي مره اخرى.

كان القرار بجلب القتلة من داخل السفارة العراقية بالقوة،و هو ما تم فقد حاصرت القوات العسكرية و الدبابات السفارة العراقية في خورمكسر، و استدعت وزارة الخارجية جميع ممثلي و أعضاء السلك الدبلوماسي للدول المعتمدين في عدن، لأطلاعهم على تفاصيل الجريمة و خرق السفارة العراقية للأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها.

و طالبت السفير العراقي بتسليم القتلة الذين كانت لديهم حصانة دبلوماسية، وإلا سوف يتم اقتحام السفارة بالقوة، رفضت السفارة العراقية هذا الطلب، في هذه الأثناء قامة السلطات العراقية بقطع الماء و الكهرباء و الإتصالات عن سفارة اليمن الجنوبي في بغداد و رشقتها بالرصاص كنوع من الرد على حصار سفارتها في عدن.

انفرط شهر العسل بين البلدين، بغداد تلوح بقطع المساعدات المادية و المعنوية و (السيجار الكوبي) و تعطيل المصالح المشتركة التي كان يحتاجها اليمن الجنوبي بشدة في تلك الفترة، و عدن ترد "سلموا القتلة و إلا".

بهذا الوقت قرر تشيع جثمان الدكتور توفيق رشدي بجنازة رسمية حضرها قيادة المكتب السياسي لليمن الجنوبي و ممثلين البعثات الدبلوماسية في عدن و جمع غفير من القوى اليسارية العربية و الأجنبية اضافة الى حشود الشعبية كانت تهتف ضد الاغتيال و تردد شعارات الحزب الشيوعي العراقي و تم الدفن في مقبرة المنصورة.

المسألة أصبحت مسألة كرامة، قامة القوات العسكرية التي تحاصر السفارة العراقية في عدن بإطلاق قذيفة دبابة على سور السفارة كنوع من التهديد مما أطر أعضاء السفارة لأخذ الأمر بجدية فستسلموا بسرعة.

قررت عدن إجراء محاكمة علنية (رغم عدم اختصاصها) للمتهمين و بثت على التلفزيون و تابعتها صحيفة 14 اكتوبر، ليرى العالم اعترافات القتلة، المتهم الأول هو القنصل العراقي للسفارة العراقية في عدن و المتهم الثاني ضابط في المخابرات العراقية و يعمل حارس أمن للسفارة.

كان من ضمن الاعترافات التي بثها التلفزيون قصة الورقة التي أصر قتلت توفيق رشدي أن يوقعها لهم، و التي طلعت رسالة موجهة إلى أحد قادة الاكراد  (محمود عثمان) و الذي تربطه علاقة جيده بتوفيق رشدي، يزكي فيها حامل الرسالة لكي يلتحق بالحركة المسلحة الكردية، بغرض اختراق المخابرات العراقية للتنظيم الكردي المسلح.

و ايضا كشفت الاعترافات كيف أن المخابرات العراقية تدير عبر سفاراتها بالخارج شبكة إغتيالات و تجسس دولية مهمتها تعقب المعارضين و تصفيتهم إذا لزم الأمر، في النهاية قررت المحكمة إنهاء غير مختصة ، وتم تسليم القتلة للعراق لأنهم كما قلنا يحملون صفة دبلوماسية، و قررت عدن قطع العلاقات الدبلوماسية بينها بغداد، و تم أيضا قطع المساعدات المادية التي كانت بغداد تعطيها لعدن.

استمرت القطيعة بين البلدين حتى موعد انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثالث في الطائف السعودية يناير 1981م، والتي اشتهرت باسم (قمة مكة المكرمة) و التي سعت فيها السعودية ممثلة بالأمير فهد بن عبدالعزيز انداك، في تقريب و جهات النظر و ترميم العلاقة الثنائية بين عدن و بغداد.

و يا لسخرية القدر، بغداد التي في 1978م كانت تتوسط لتحسين العلاقات الثنائية بين الرياض و عدن، بعد ثلاث سنوات فقط، الرياض في 1981م هي من تتوسط لتحسين العلاقات الثنائية بين عدن و بغداد.

و التي عادت إلى طبيعتها في 1982م، على الهامش يقول الرئيس علي ناصر محمد بأن ( بعد قطع العلاقات مع العراق استعاض بالسيجار الذي يرسله له الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، و التي كانت تصنع له خصيصا و يطبع اسمه عليها حتى أحداث يناير 1986م).

ال‏خلاصة:

إن العلاقات الثنائية بين الدول تتسم بالمرونة و إن كانت ظاهرها القسوة و تعتمد على المصالح المشتركة و التوافق الإستراتيجية و مدى إحتياجات لتلك الدول لبعضها البعض دون المساس بالسيادة و هيبة تلك الدول مهما كانت نوعية العلاقة الثنائية.
____________________________________________

‏أدرج هنا قائمة بالمراجع التي استقيت منها الموضوع:

1)توفيق رشدي..ذكراك شوكة في عيون
https://t.co/Fl1m0TLqE9‎∾=2

2) علي ناصر محمد يتذكر . رفضنا طلب صدام بناء قاعدة في سقطرة الاخيرة
https://t.co/DFxuIfWl7A‎

3) وطن يبحث عن منفى ســـلام عبود
https://t.co/5TrdzhJhXz‎

‏4) بغداد وعدن.. قبل الحوثيين وبعدهم رشيد الخيون
https://t.co/DLKWNfizHX‎

5) المخابرات العراقية وإغتيال
الدكتور توفيق رشدي في عـدن
فائز حيدر
https://t.co/cUMSlC3duR‎

6) صيد عراقي أم صيد الغربان فائز حيدر
https://t.co/k4BUu7rSwx‎

‏7) قرارات مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة التاسعة/بغداد _ 1978
https://t.co/SgGxmp6EZb‎

ملاحظة : إذا لم تفتح الراوبط انسخ عنوان الرابط بالعربي و اعمل بحث عنها بجوجل.