السبت، مارس 17، 2018

فرض السيادة و مرونتها في السياسة الخارجية

‏بعد ان قرأت خبر محاولة اغتيال الجاسوس الروسي في لندن من قبل المخابرات الروسية واتخاذ لندن قرار حازم بقطع العلاقات مع موسكو و الانسحاب من كأس العالم، قررت أن أحكي لكم فصلا صغيرا من تاريخ العلاقات بين اليمن الجنوبي و العراق الشقيق.

في اثناء انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد نوفمبر 1978م، حاول نائب الرئيس العراقي انداك صدام حسين، تحسين العلاقات الثنائية بين اليمن الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ) و المملكة العربية السعودية التي تأثرت كثيرا بأحداث اغتيال الرئيس احمد حسين الغشمي في اليمن الشمالي و إعدام الرئيس سالم ربيع علي ( سالمين) في اليمن الجنوبي في يونيو من نفس العام.

بعد أن كانت هذه العلاقات قد تحسنت في عهد الرئيس سالمين الذي عمل على تطبيع العلاقات مع السعودية في الفترة التي سبقت تلك الاحداث، و نتيجة لتلك الأحداث المؤسفة، اصدر قرار من قبل مجلس جامعة الدول العربية بمقاطعة و تعليق عضوية اليمن الجنوبي في الجامعة في الاول من يوليو 1978م.

و أثناء انعقاد القمة العربية في بغداد يتحدث الرئيس علي ناصر عن لقائه مع صدام حسين و قال (لقد طلب صدام حسين إقامة قاعدة بحرية و جوية للعراق على جزيرة سقطرى في مقابل دعم العراق لليمن الجنوبي في تنمية الجزيرة في كل المجالات السمكية و الزراعية و السياحية)، وكان السبب حسب قول صدام له (بأن قوات العراق البحرية تواجه صعوبات في تطوير قدراتها في منطقة الخليج العربي).

و أضاف بأن (التعاون بين البلدين سوف يعزز مكانة اليمن الجنوبي استراتيجيا في المنطقة)، يقول الرئيس علي ناصر بانه (اعتذر لصدام حسين عن قبول هذا الأمر لأنه سيؤدي إلى تصعيد التوتر بالمنطقة و ان عدن لا تتحمل أعباء مثل هذا القرار بالوقت الحالي، خصوصا ان عدن كانت في عزلة بعد قرار المقاطعة)، و أضاف ( بأن ما يشاع عن وجود قاعدة عسكرية لسوفيتية على الجزيرة مجرد إشاعات غير صحيحة).

و بعد رفض هذا الطلب بدبلوماسية شديدة، ظلت بغداد تقدم مساعدات مادية و عينية لليمن الجنوبي، و ايضا سعت إلى إلغاء قرار مقاطعة اليمن الجنوبي في الجامعة العربية، سعيا لتوحيد الصف العربي في مواجهة مصر و مقاطعتها بسبب توقيع السادات على اتفاقية كامب ديفيد مع اسرائيل في سبتمبر 1978م، و الذي أدى ايضا الى نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس.

و يصف الرئيس علي ناصر محمد علاقته الشخصية مع صدام حسين الجيدة و بأن الأخير - أي صدام- هو من شجعه على تدخين السيجار الكوبي (كوهيبا) و كان يرسله له بشكل مستمر عبر سفارة العراق في عدن أو عبر سفارة اليمن الجنوبي في بغداد ولم ينقطع إرسال السيجار حتى وقوع أحداث عدن في يونيو 1979م.

سنعود بلمحة بسيطة عن التاريخ السياسي للعراق قبل أن نحكي، ماذا حدث في عدن يونيو 1979م؟:

بعد إنقلاب حزب البعث في فبراير 1963م و استلام السلطة بعد اغتيال الرئيس عبدالكريم قاسم و الذي كان مدعوما من قبل الحزب الشيوعي العراقي، تقاتل الطرفان و تمت عمليات تصفية دموية سياسية بين الحزبين.

و بعد سنوات من الانقلابات و الأحداث السياسية الدموية في العراق، قرر حزب البعث في عهد الرئيس احمد حسن البكر و نائبة صدام حسين عام 1973م، دعوة المعارضة الممثلة بالحزب الشيوعي و الأحزاب الكردية، إلى التوحد تحت مظلة واحدة تدير شؤون العراق أسموه لاحقا ب (الجبهة الوطنية القومية التقدمية) و التي تأسست في 1974م.

و رغم هذا استمر حزب البعث في الاستحواذ منفردا بالسلطة و إزاحة معارضية، أما بالاغتيال او الإعتقال، تلك الفترة كانت عدن منارة و قبلة تستقطب جميع التنظيمات اليسارية و التحررية في الوطن العربي و ملجأ آمن للعديد من السياسيين العرب و خصوصا فلسطين و العراق و تونس و مصر و عمان و لبنان بقية الدول اليسارية في العالم.

نذكر هنا على سبيل المثال وليس الحصر، الفنان جعفر حسن و الباحث رشيد الخيون و الكاتب سلام عبود و الرفيق عبدالعباس سالم ابو عاهدين، و الكاتب فائز الحيدر و هذا غير قادة المنظمة التحرير و اخرون، وتم توظيفهم في القطاع العام و عينوا اساتذة في الجامعات و المدرسين و دكاترة طب، و أعطيت للمنظمات امتيازات لفتح أعمال تجارية متعددة، حتى ان بعضهم منحوا جوازات سفر يمنية.

أحد هؤلاء كان الدكتور توفيق رشدي، استاذ الفلسفة في جامعة عدن، و هو عراقي كردي من السليمانية و الحائز على درجة الدكتورة في الفلسفة من موسكو و كان عضو في الحزب الشيوعي العراقي و لأسباب سياسية و اجتماعية لم يستطع العودة إلى العراق.

فقرر التوجه إلى عدن مثل بقية الرفاق و عين أستاذا في جامعة عدن بعقد ممول من دولة الكويت الشقيقة، التي كانت تدعم اليمن الجنوبي و أيضا المعارضة العراقية، و نتيجة العلاقات الجيدة لتوفيق رشدي في جامعة عدن و بعض السياسيين الجنوبيين، و مكانته العلمية كأحد رواد الفلسفة العرب، رشحه الحزب الشيوعي العراقي، ليكون ممثلا له في اليمن الجنوبي.

هذا الترشيح لم يأتي على هوى توفيق رشدي الذي لم يكن من المؤيدين للتقارب بين حزب البعث و الحزب الشيوعي العراقي، هو ما وتر العلاقات بينه و بين قيادة الحزب الشيوعي العراقي الذي اتهمه بمحاولة عرقلة التحالف مع حزب البعث وذلك لعدم حضوره المناسبات التي يدعى لها من قبل سفارة العراق في عدن.

د.توفيق رشدي كان متزوج من روسية و لديه أبناء منها هم مقيمين في الاتحاد السوفيتي انداك، و كان يحاول جاهدا لم شمل أسرته معه في عدن و قدم طلبات للسفارة العراقية بهذا الخصوص ولكن طلبة عرقل من المخابرات العراقية.

في هذا الوقت بدأ حزب البعث برفع وتيرت الاغتيالات و التصفية السياسية و الاستفراد بالسلطة و اقصاء كوادر الحزب الشيوعي العراقي و السياسيين الاكراد و مطارتهم حتى خارج البلاد عبر سفارات العراق في الخارج.

ظنت القيادة السياسية في العراق، لمتانة العلاقات الثنائية بينها و بين القيادة السياسية في اليمن الجنوبي، انها لن تتأثر بما سيحدث، ففي الاول من يونيو 1978م، أصدرت المخابرات العراقية اوامرها لتنفيذ عملية اغتيال ضد الدكتور توفيق رشدي.

وهذا ما تم عندما تم رصد منزل د.توفيق رشدي الواقع في حي السكنية في المنصورة، و انتظاره حتى يخرج، وعند مشاهدتهم لتوفيق رشدي، نزلا من السيارة و اخبروه بموافقة السفارة على طلب لم الشمل مع عائلته و ان عليه التوقيع على ورقه كانت معهما لإتمام الإجراءات.

وعند رفضه التوقيع لعدم السماح له بقرأت محتوى الورقة، حاولوا سحبه إلى داخل السيارة ولكن توفيق صرخ ليستنجد بالناس في الشارع مما جعل الجيران يخرجون من النوافذ لمعرفة ما يحدث هنا، فأطلقوا عليه النار و لاذوا بالفرار.

أحد الجيران أبلغ أجهزتها الأمن و لحسن الحظ انه كان قد سمع الحوار بالكامل بين رشدي و القتلة، فتم رصد سيارة القتلة التي عبرت خط العريش مرور بساحل أبين حتى خورمكسر، و لم تتوقف في اي إشارة مرورية و شوهدت السيارة تدخل السفارة العراقية.

انتهت عملية الاغتيال و كما قلنا سابقا كانت القيادة في بغداد تظن أن قيادة اليمن الجنوبي لن تخاطر في خسارة صداقتها المتينة مع العراق بسبب حادث بسيط لمواطن عراقي يعيش على اراضيها.

خاب ظنهم للأسف، فقد أعتبرت عدن هذا الحدث (انتهاكا خطيرا لسيادتها)، و اتخذ قرار فوري بالرد بشكل حازم و قوي لمنع تكرار مثل هذا الأمر و أعطى درس قاسي لأي دولة كانت تعتدي على سيادة اليمن الجنوبي مره اخرى.

كان القرار بجلب القتلة من داخل السفارة العراقية بالقوة،و هو ما تم فقد حاصرت القوات العسكرية و الدبابات السفارة العراقية في خورمكسر، و استدعت وزارة الخارجية جميع ممثلي و أعضاء السلك الدبلوماسي للدول المعتمدين في عدن، لأطلاعهم على تفاصيل الجريمة و خرق السفارة العراقية للأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها.

و طالبت السفير العراقي بتسليم القتلة الذين كانت لديهم حصانة دبلوماسية، وإلا سوف يتم اقتحام السفارة بالقوة، رفضت السفارة العراقية هذا الطلب، في هذه الأثناء قامة السلطات العراقية بقطع الماء و الكهرباء و الإتصالات عن سفارة اليمن الجنوبي في بغداد و رشقتها بالرصاص كنوع من الرد على حصار سفارتها في عدن.

انفرط شهر العسل بين البلدين، بغداد تلوح بقطع المساعدات المادية و المعنوية و (السيجار الكوبي) و تعطيل المصالح المشتركة التي كان يحتاجها اليمن الجنوبي بشدة في تلك الفترة، و عدن ترد "سلموا القتلة و إلا".

بهذا الوقت قرر تشيع جثمان الدكتور توفيق رشدي بجنازة رسمية حضرها قيادة المكتب السياسي لليمن الجنوبي و ممثلين البعثات الدبلوماسية في عدن و جمع غفير من القوى اليسارية العربية و الأجنبية اضافة الى حشود الشعبية كانت تهتف ضد الاغتيال و تردد شعارات الحزب الشيوعي العراقي و تم الدفن في مقبرة المنصورة.

المسألة أصبحت مسألة كرامة، قامة القوات العسكرية التي تحاصر السفارة العراقية في عدن بإطلاق قذيفة دبابة على سور السفارة كنوع من التهديد مما أطر أعضاء السفارة لأخذ الأمر بجدية فستسلموا بسرعة.

قررت عدن إجراء محاكمة علنية (رغم عدم اختصاصها) للمتهمين و بثت على التلفزيون و تابعتها صحيفة 14 اكتوبر، ليرى العالم اعترافات القتلة، المتهم الأول هو القنصل العراقي للسفارة العراقية في عدن و المتهم الثاني ضابط في المخابرات العراقية و يعمل حارس أمن للسفارة.

كان من ضمن الاعترافات التي بثها التلفزيون قصة الورقة التي أصر قتلت توفيق رشدي أن يوقعها لهم، و التي طلعت رسالة موجهة إلى أحد قادة الاكراد  (محمود عثمان) و الذي تربطه علاقة جيده بتوفيق رشدي، يزكي فيها حامل الرسالة لكي يلتحق بالحركة المسلحة الكردية، بغرض اختراق المخابرات العراقية للتنظيم الكردي المسلح.

و ايضا كشفت الاعترافات كيف أن المخابرات العراقية تدير عبر سفاراتها بالخارج شبكة إغتيالات و تجسس دولية مهمتها تعقب المعارضين و تصفيتهم إذا لزم الأمر، في النهاية قررت المحكمة إنهاء غير مختصة ، وتم تسليم القتلة للعراق لأنهم كما قلنا يحملون صفة دبلوماسية، و قررت عدن قطع العلاقات الدبلوماسية بينها بغداد، و تم أيضا قطع المساعدات المادية التي كانت بغداد تعطيها لعدن.

استمرت القطيعة بين البلدين حتى موعد انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثالث في الطائف السعودية يناير 1981م، والتي اشتهرت باسم (قمة مكة المكرمة) و التي سعت فيها السعودية ممثلة بالأمير فهد بن عبدالعزيز انداك، في تقريب و جهات النظر و ترميم العلاقة الثنائية بين عدن و بغداد.

و يا لسخرية القدر، بغداد التي في 1978م كانت تتوسط لتحسين العلاقات الثنائية بين الرياض و عدن، بعد ثلاث سنوات فقط، الرياض في 1981م هي من تتوسط لتحسين العلاقات الثنائية بين عدن و بغداد.

و التي عادت إلى طبيعتها في 1982م، على الهامش يقول الرئيس علي ناصر محمد بأن ( بعد قطع العلاقات مع العراق استعاض بالسيجار الذي يرسله له الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، و التي كانت تصنع له خصيصا و يطبع اسمه عليها حتى أحداث يناير 1986م).

ال‏خلاصة:

إن العلاقات الثنائية بين الدول تتسم بالمرونة و إن كانت ظاهرها القسوة و تعتمد على المصالح المشتركة و التوافق الإستراتيجية و مدى إحتياجات لتلك الدول لبعضها البعض دون المساس بالسيادة و هيبة تلك الدول مهما كانت نوعية العلاقة الثنائية.
____________________________________________

‏أدرج هنا قائمة بالمراجع التي استقيت منها الموضوع:

1)توفيق رشدي..ذكراك شوكة في عيون
https://t.co/Fl1m0TLqE9‎∾=2

2) علي ناصر محمد يتذكر . رفضنا طلب صدام بناء قاعدة في سقطرة الاخيرة
https://t.co/DFxuIfWl7A‎

3) وطن يبحث عن منفى ســـلام عبود
https://t.co/5TrdzhJhXz‎

‏4) بغداد وعدن.. قبل الحوثيين وبعدهم رشيد الخيون
https://t.co/DLKWNfizHX‎

5) المخابرات العراقية وإغتيال
الدكتور توفيق رشدي في عـدن
فائز حيدر
https://t.co/cUMSlC3duR‎

6) صيد عراقي أم صيد الغربان فائز حيدر
https://t.co/k4BUu7rSwx‎

‏7) قرارات مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة التاسعة/بغداد _ 1978
https://t.co/SgGxmp6EZb‎

ملاحظة : إذا لم تفتح الراوبط انسخ عنوان الرابط بالعربي و اعمل بحث عنها بجوجل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق